دقائق

بقلم الأستاذ : أحمد الرفاعي

تفاجأ بذلك الباب الزجاجي الذي يفتح من تلقاء نفسه عندما يقترب منه أحد الداخلين أ الخارجين من أو إلى المستشفى ..

و الغريب في الأمر أنها المرة العاشرة على الأقل التي يخرج فيها من هذا الباب ، باب المشفى الخاص الذي اضطر أن يدخل والدته فيها بعد أن رفضت المشفى الحكومي أن تجري لها العملية اللازمة لا لشيء و إنما لأن دورها بعد ستة أشهر كما قالت السكرتيرة المسؤولة عن تنظيم الدور و هي ستموت بعد أيام إن لم تأخذ العملية كما قال الطبيب لهذا السبب أدخلها إلى المشفى الخاص على الرغم من عدم امتلاكه المال نهائياً ويعود السؤال لماذا تفاجأ بالباب الزجاجي على رغم من مروره العاشر منه ربما كان السبب دمعتي والدته أو رأي الطبيب في المشفى الخاص وهو ضرورة إجراء العملية اليوم أو أن حالة والدته دخلت مرحلة الخطر .

على كل حال كل شيء هذا اليوم يفاجئ و الأهم هو المبلغ الذي يجب عليه أن يؤمنه في مدة لا تزيد عن خمس ساعات وهو لا يملك منه شيئاً حتى أن مرتبه الشهري لا يمثل سوى نسبة اثنان بالمئة من إجمالي هذا المبلغ الذي تتوقف حياة والدته عليه .

كلمات الممرضة المسؤولة عن حسابات المشفى كانت أشبه بمشارط حديدية تمزق الأحشاء عندما قالت :

والدتك بحاجة إلى فحوصات فورية ولكننا لا نستطيع أن نجريها إلا بعد أن تدفع ربع المبلغ على الأقل .

تجاوز ذلك الباب الزجاجي بصعوبة وفجأة مرة ثانية عندما أغلق من تلقاء نفسه بعد خروجه ولكن هذه المفاجأة كانت مرعبة و كأن هذا الباب أصبح حاجزاً يبعده عن والدته و كأنه لن يراها … بعد اليوم ! .

نظر إلى ذلك الباب و نظر إلى المبنى و لأول مرة يشعر أن مبنى المشفى أضخم بكثير مما كان يتصور وهو شيء صغير لا حول له و لا قوة … نظر إلى الشارع لا بل نظر إلى المدينة لا بل نظر إلى الكون و أحس بأن كل شيء مجتمع هو أصغر من خرم الأبرة .

لا يعرف ماذا يفعل و لأنه في سباق مع الزمن أصبحت عقارب الساعة تتسارع لتسبقه إلى حياة والدته سباق غير عادل نهائياً هو ضعيف و الوقت قوي و الخسارة ثقيلة و هي حياة والدته أحس بأنه سيخسر كل شيء حاول أن يدخل هذا السباق المستحيل و لكن الأرض أصبحت تتمسك بقدميه وكأنها تساعد الوقت على هزيمته المؤكدة أو الحتمية .

وعلى الرغم من أن الجميع يعلم أنه لم يحدد وجهته بعد ولكن الخسارة مؤكدة مع هذه المعطيات .

ولهذا وذاك خسر كثيراً من الدقائق حتى وصل إلى المعمل الذي يعمل فيه على الرغم من قرب المسافة بينه و بين المكان الذي كان يوجد فيه .

وبامتعاض تحمل كلام مراقب الدوام الذي بدأ يؤنبه على تأخره عن العمل … و باختصار قال له :

والدتي ستموت إن لم تصمت

في غرفة المحاسب انتظر حتى أنهى المحاسب وضع كميات كبيرة من المال في الخزنة ونظر إليه و قال :

لقد آلمني وضع والدتك و إنني أشعر بالأسى لأجلك ولكن شأن القروض ليس بيدي يجب أن ترى مدير المعمل بدأ خرم الأبرة يضيق أكثر وعيناه تزدادان احمراراً والطعم الشوكي يتأقلم مع جفاف حنجرته .

مدير المعمل هو الوحيد الذي يستطيع أن ينقذه ولكن هيهات فمدير المعمل لا يتواجد كثيراً في مكتبه فغالباً يكون عمله خارج المعمل أكثر من داخله …

أضاع الكثير من الدقائق في هذا التفكير في الوقت الذي يجب ألا يضيع فيه شيئاً .

شعر بالفرح لأن مدير مكتب المدير أخبره أن المدير في المكتب ولأنه صديقه أمن له لقاءً سريعاً مع مدير المعمل ، وكعادة المدراء هم مشغولون بأوراق أمامهم و لا وقت لديهم لذلك اختصر و شرح وضعه بسرعة و لأن الوقت عدو الجميع اختصر مدير المعمل وهو ينظر من تحت نظارته بعينين حادتين وقال :

لا سيولة في المعمل في هذه الأيام

حبس دمعته في عينيه و خرج

جلس على كرسي في حديقة بجانب بيتهم القديم على الطريق بين المشفى و المعمل هذا الكرسي لطالما جلس عليه هو ووالدته في صغره على هذا الكرسي علمته كل شيء على هذا الكرسي كان يشعر بحنانها على هذا الكرسي نشأ و كبر و ترعرع بين ذراعيها على هذا الكرسي أصبح رجلاً أمام عينيها وهاهي الآن تموت أمام عينيه وهو غير قادر على فعل شيء ، أخذ يراقب دقائق الساعة التي شعرت بالفرح لأنها حققت الانتصار .. نعم لقد انتهى الوقت المحدد وانتهت معه حياة والدته وانتهى معه كل شيء … أصبح كل شيء أمامه أسوداً وتباطأت عقارب الساعة بعد أن حققت انتصارها ويحق لها أن تستريح استراحة المقاتل المنتصر … أصبح الوقت ثقيلاً و الهواء ثقيلاً ومعطفه ثقيلاً .

ارتعش عندما سمع صوت جواله يرن .. أخرجه من جيبه رأى على شاشته رقم الطبيب المسؤول عن حالة والدته كان يعرف أنه سيخبره بأن والدته فارقت الحياة و بأنه يجب أن يخرجها من المشفى ويدفع تكاليف وجودها في المشفى لهذه الساعات وضع الهاتف على الكرسي ونظر إليه وقال من خلالك سأسمع اسوء خبر في حياتي … ونزلت دمعته الباردة التي حاول جاهداً منعها من النزول … وانفجر قائلاً :

لن أسمح لك أن تكون نذير شئم وخبراً شسئاً عن أحب نساء الأرض على قلبي … فحمل ذلك الجوال ورماه على الأرض … ولكن ذلك الجوال لم ينكسر ولم يصمت بل استمر بالرنين كأنه يقول لن اصمت أبداً … ويجب عليك أن تسمع هذا الخبر …

وقف .. مشى … ثم التقط الموبايل وقال ببرود :

من المتكلم ؟

ظهر صوت الطبيب فرحاً وهو يقول :

والدتك تريد رؤيتك !

ماذا ؟

وكيف؟

و أين ؟

مجموعة من الأسئلة فكر بها و عجز عن نطقها …

تابع الطبيب قائلاً :

الطبيب صاحب المشفى رزق بمولود ذكر بعد عشرين عاماً من الزواج و فرح كثيراً و قرر أن تكون جميع عمليات اليوم على نفقته الشخصية شكراً لله وكانت عملية والدتك من ضمن تلك العمليات .

لم يصدق ما سمع للمرة الأولى هذا اليوم يتسع خرم الإبرة يتسه له و للمدينة و للمشفى وللكون كله رفع يديه والدمع الدافئ ينهمل على وجنتيه وهو يقول :

شكراً لله

شكراً لصاحب المشفى

شكراً لك أيها المولود الجديد لأنك أنقذت حياة والدتي ، دارت في رأسه فكرة وجوب شكر المولود وصاحب المشفى و أحضر له هدية من السوق تتناسب مع عمره واتجه نحو المشفى وقبل أن يدخل غرفة والدته بحث عن غرفة المولود و سأل الكثير عنها و الإجابة كانت واحدة :

إن هذا المولود قد مات بعد ولادته بدقائق … تفاجأ … ثم قال :

لماذا أتيت أيها الصغير ؟

وكم عشت ما هي إلا دقائق تعاطفت مع هذا المسكين و أنقذت حياة والدته فشكراً لك أيتها الدقائق …

 

تأليف الأستاذ : أحمد الرفاعي

%d مدونون معجبون بهذه:
search previous next tag category expand menu location phone mail time cart zoom edit close