كلام الناس

بقلم الأستاذ : أحمد الرفاعي

اليوم عيد ميلادها فقد اجتازت عامها الثامن عشر بثلاث دقائق وهي في عرف كلام الناس اجتازت السن القانوني للزواج ، أي أنها اصبحت عانساً كما تردد والدتها التي فقدت بصرها منذ عشرات السنين في مثل هذا اليوم يجب أن يكون بين يديها طفل أو طفلين …

في قارورة هذه الهواجس احتفلت مريم بعيد ميلادها الثامن عشر وحيدة كئيبة … حاولت الهروب من هذه الهواجس و اللجوء إلى نافذتها المفضلة نافذة الأحلام … اعتادت أن تقف بجانبها كل يوم منذ أن قطعت ربيعها الخامس عشر و بدأت تنظر إلى الدنيا بعينين مختلفتين … أما عن سبب هذه الوقفة اليومية فالإجابة خالية من الإجابات في رأسها فالمكان الضيق الذي تعيش فيه لا يتسع للتفكير … لذلك اختارت النافذة في محاولة بائسة للخروج من هذا الجحر المظلم الذي تؤكد والدتها كل يوم إنه بيت السعادة و الهناء الذي عاشت فيه أجمل أيامها مع زوجها الذي فقدته قبل سبعة عشر عاماً بسبب حادث سير أليم …

مريم في كل ليلة ترى كل شيء يحدث في الشارع المقابل لنافذتها ولكن شيئاً لا يراها فهي تتوارى خلف ستارة نافذة أحلامها خوفاً من كلام الناس الذي سمعت عنه ولما تسمعه بعد كانت أحلامها كثيرة و لكنها في نفس الوقت بسيطة ولعل أعقدها هو ذلك الخاتم الذهبي الذي سيأتي مع فارس الحصان الأبيض و سيضع حداً لكلام الناس مصدر تهديد والدتها الأول و الأخير …

في مرة واحدة فقط استطاعت أن تتجاوز أهوال كلام الناس و تتطلب من والدتها أن تعمل في محل تجاري لبيع قطع الأثاث النسائية وقد وافقت والدتها لسببين أولها طبيعة العمل الذي سيحد من كلام الناس و ثانيهما الحاجة الشديدة لشيء من المال و لو كان يسيراً في زمان اصبح فيه المال جوهر وجود الإنسان …

اعتادت مريم أن ترى أضواء الشارع خافتة و الناس بؤساء يسيرون برتابة مملة و الهواء بارد يروي بثقله على كل شيء …وفي لحظة واحدة تغير كل شيء رقصت أنوار الطريق وسارع الناس الخطى وفارق الملل وجنتيها وتبدد الهواء البارد … من أين جاءت كل هذه الحركة من أين جاء هذا الدفئ من أين جاء كل هذا الأمل شاب وسيم يترجل من سيارة بيضاء جميلة سار نظرها إليه دونما تفكير دونما اشارة دونما استأذان دونما خوف من كلام الناس .. لقد كان هذا الشاب هو الشيء الوحيد الذي رأته وأحبت أن يراها .. وهذا عندما رمق نافذتها بنظرة جعلت من الستارة زجاجاً شفافاً ومن النافذة مسرحاً للأفراح والأعراس احتبست أنفاسها وتحجرت عيناها لا تدري ماذا حصل ..

وفجأةً .. اختفى ذلك الشاب وعادت أضواء الشارع إلى خفوتها وعاد البطء يؤخر خطوات الناس أما الهواء البارد فقد اشتد هذه المرة ليلفح الستارة على وجهها في محاولة جاء لايقاذها من ذلك الحلم .

من هو هذا الشاب .. ؟ ولماذا نظر إلى النافذة .. ؟

وهل رآها .؟ جملة من الأسئلة منعت النوم من الاقتراب من عيني مريم في تلك الليلة ..

ولهذا السبب تركت الطريق لأحلامها مفتوحاً و في هذه المرة خرجت أحلامها خارج نافذة الأحلام وحطمت قواعد كلام الناس …

وعلى طريق الأحلام تأخرت عن عملها الجديد لأول مرة لذلك سارعت الخطى في ظل تأنيب والدتها وخرجت من المنزل وعلى رصيف رحلتها إلى عملها بدأت أحلامها تتحقق … نعم أنه ذلك الشاب يقف أمام حصانه الأبيض

عفواً سيارته البيضاء ..

ويقول أنت مريم .. ؟

سمعت تلك العبارة ولم تصدق وكأن الحياة قد تغيرت والطريق اصبح أوسع من المدينة و الرصيف يرقص فرحاً وحركة الناس كرنفال احتفالي يحتفل فيه الجميع .. نظرت إليه كان وسيماً واثقاً غنياً .. لم تكن تحلم بشيء من هذا لا تعرف ماذا تفعل لا تعرف كيف خرجت من فيها كلمة ( نعم ) كانت هذه الكلمة باردة خافتة رقيقة في النهاية كانت أجمل بكثير مما كانت تتصور .. و فجأة انقطع التيار الكهربائي .. أنه كلام الناس يجعل كل شيء باهتاً وبارداً فما هي إلا لحظات حتى انتهى كل شيء الناس من حولهما ينظرون إليهما ويتهامسون .. هل بدأت المأساة .. هل بدأ كلام الناس أرادت لهذه الألسنة أن تنقطع فتركت حلمها وذهبت إلا أنها حلمها كما يبدو طولاً فلحقها ذلك الشاب وقال لها عبارة رائعة :

قصدي شريف

اهتز كل شيء في جسدها اهتز تفكيرها اهتزت أحلامها خيالها و أخيراً اهتزت أحبالها الصوتية وقالت :

إذا كان قصدك شريف أدخل البيت من بابه .. البيت أول هذا الشارع أمام ذلك الفندق عند تلك النافذة و أشارت بإصبعها إلى نافذة الأحلام ..

وتركته ومشت و الشاب تمسمر في مكانه لم يلحقها هذه المرة هل أكثرت من الكلام .. هل قالت مالا يحق لها قوله .. ولكن كلام الناس كثير فلماذا لا يحق لكلامها شيء امضت ذلك اليوم شاردة الذهن في العمل و لأنه كان يوماً جميلاً .. انتهى سريعاً وعادت إلى المنزل و في وقت الظهيرة فاجأ ذلك الشاب مريم عندما فتحت الباب بعد سماع صوت الجرس … وجدته أمامها .. لا تعرف ما تفعل لم تخبر والدتها بعد ماذا ستقول لها ؟ .. هي للآن لا تعرف اسمه .. للآن لا تعرف شيئاً ماذا ستفعل لوالدتها ماذا ستفعل لكلام الناس .. ؟

سنبقى نتظر على الباب

كلمات أطلقها الشاب على مريم بصوته الجميل و العذب و لذلك اهتزت حبالها الصوتية مرة أخرى بشكل خارج عن إرادتها و قالت :

تفضل

وما هي إلا ثوان معدودة إلا و كانا ذلك الشاب في غرفة الاستقبال الضيقة .. وهي تقدم له الشاي ووالدتها وكلام الناس نائمان .

دار بينهما حديث مقتضب وكان نتيجته أن يتعارفا على بعضهما بشكل سري حتى عن والدتها ليدرسا أمر زواجهما قبل ( الخطوبة ) والخاتم الذهبي الموعود .. وخرج من البيت لا تدري ماذا حدث .. ولا تدري كيف حدث ولكنها تعي تماماً أن ما حدث كان جميلاً تكررت محاولة الدراسة أي ( الزيارة ) كان يسكتان عندما تظهر والدتها وتقول اشتم رائحة شيء غريب في المنزل فيبتسمان ولكن من دون صوت حتى تعود إلى غرفتها ويعودان إلى حديثهما اعتاد عليها واعتادت عليه وكان في كل زيارة يتغير شيء يزداد جرأةً وتزداد خوفاً على خسارته لذلك سمحت له أن يفعل ما لا يجب أن يفعله و أن يتجاوز كل الخطوط الحمراء …

قلت زياراته وعندما يأتي لا ينظر إليها و لا يكلمها يتجاوز الخطوط الحمراء و ينصرف .

وفي يوم وقبل أن يذهب قالت باستحياء :

أنا حامل

جلس على الكرسي تفاجأ تغير لون وجهه …

بدأت تشعر بالخوف كأن والدتها وكلام الناس استيقظا

اقترب منها … نظر إلى عيناها الدامعتين .. إلا أنه ابتسم

جفت دمعتاها و تحولتا إلى ابتسامة أمل جديد و قالها بصوت بارد سأجد حلاً

وضع يده في جيبه وخرج ..

وفي زيارة أخرى وبعد أن انتهى من تجاوز الخطوط الحمراء وضع يده في جيبه واقترب منها ثم أخرج علبة جميلة بداخلها خاتماً ذهبياً جميلاً .. لم تصدق ماذا حدث أيمكن أن يكون ذلك حقيقة التمعت عيناها فرحاً و أملاً شعرت

بسعادة عارمة تملأ قلبها .. أحلامها .. خيالها البيت .. والدتها النائمة كلام الناس الجميع يرقص فرحاً وطرباً شعور لا طالما حلمت أن تشعر به امسك يدها وضع ذلك الخاتم بين اصابعها وهمس في آذانها :

بيعي هذا الخاتم و أجر عملية الإجهاض .

ثم خرج من المنزل …

https://7uruf.com/

تأليف الأستاذ : أحمد الرفاعي

 

%d مدونون معجبون بهذه:
search previous next tag category expand menu location phone mail time cart zoom edit close